نذير حمدان

100

حكمة القرآن والحضارة

يطلق القرآن ( صفة الحكيم ) إلّا على ذاته المقدسة فلم يصف بها إنسانا حتى وإن كان نبيا ، وجلّ ما هنالك أن اللّه آتاها بعض عباده من الأنبياء والأصفياء الذين يفترض فيهم أن يبلغوهم غيرهم باعتبارها تعاليم وأحكام حكيمة ، ولكنه لم يصف بها سواه ، فسليمان الحكيم ، وداود الحكيم ، ولقمان الحكيم . . . شخصيات آتاهم اللّه الحكمة لأنّ كلا منهم يستحقها ، وكأنها في القرآن تشبه صفة ( الرحمن ) التي لا تطلق إلا على اللّه وحده ، ومع ذلك فقد وصف الرسول صلى اللّه عليه وسلم بها بعض صحابته أو بعض قومه ، فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الأشعريين بعد أن وصف تميزهم بتلاوة القرآن : ومنهم حكيم إذا لقي الخيل - أو قال العدو - قال لهم : إنّ أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم « 1 » . فإن حكيم الأشعريين لا ينفرد بمواجهة الخصوم وإنما يتعاون مع الآخرين ، فلا تدفعه الحمية والنزق إلى النزال منفردا ، وهي حكمة النظام القتالي الذي كان حكماء الأشعريين يحرصون عليه ويمارسونه ، وفي الحديث القدسي يبين فيه اللّه تعالى هموم ( الحكيم ) ورغبته في الإصلاح ما دامت في طاعة اللّه ورضوانه . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قال اللّه تعالى : إنّي لست كلّ كلام الحكيم أقبل ، ولكنّي أتقبّل همّه وهواه ، فإن كان همّه وهواه في طاعتي جعلت صمته حمدا لي ووقارا وإن لم يتكلم « 2 » . ومن ثم انتشرت بين العلماء والشعراء والآباء الذين كانوا يقولون الحكمة أو يؤلفون فيها .

--> ( 1 ) مسلم : فضائل الصحابة ( 2499 ) ومعنى تنظروهم : تنظروهم ، ومن ذلك قوله تعالى : ( انظرونا نقتبس من نوركم ) . ( 2 ) الدارمي : باب العمل بالعلم وحسن النية فيه 1 / 80 .